|
د. عبد الفتاح عزوز
|
|
2008-11-09 |
حافظ الأسد في عيده الـ 38 تطل علينا بعد أيام معدودات، ذكرى غالية على قلوبنا جميعاً، هي الذكرى الثامنة والثلاثون لقيام الحركة التصحيحية المجيدة التي قادها القائد التاريخي والاستثنائي حافظ الأسد لينهي بهذه الحركة حقبة وتبدأ معها حقبة من العطاء غير المحدود، والتفاني غير المعهود.
في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970، صدر بيان القيادة القطرية المؤقتة، والذي تضمن الآتي:إن مخططات الاستعمار، تستهدف تمزيق طاقات الجماهير العربية، وتفتيت تلاحم فصائل الثورة العربية على مدى الوطن العربي، وزرع السلبيات والشكوك بين القوى التقدمية العربية على المستويين القطري والقومي.كما تعمل جاهدة على تمزيق وحدة كل قوة تقدمية على حده، وذلك عن طريق استغلال نقاط الضعف في تكوينها أو في قيادتها أو في ممارستها النضالية، وذلك لتمزيق قدراتها أو الحيلولة دون مبادراتها على صعيد توحيد الفصائل التقدمية الأخرى. لأن أية قوة تقدمية مهما كانت مواقفها وقوتها، لا يمكن أن تبادر إلى أي لقاء جدي مع القوى التقدمية الأخرى، إذا لم تمتلك وحدتها الذاتية التي تخلق لديها الثقة الكاملة بالنفس، وبالتالي الثقة بقدرتها على التفاعل والحوار مع الآخرين. وحدد البيان برنامج عمل، وذلك من أجل بناء مجتمع الصمود والتحرير وتحقيق شعار الكفاح المسلح لطرد الغزاة الصهاينة عن أرض الوطن. وقد حددت حركة التصحيح مسار عملها في المجال الداخلي وفي المجال العربي والسياسة الدولية، وكانت خطوط مسارها في المجال العربي تتضمن:1- التحرك الواسع مع الدول والقوى العربية في كافة المجالات التي تعزز استراتيجية الكفاح المسلح، وحشد الطاقات العربية في المعركة المصيرية.2- العمل على تحقيق خطوات وحدوية مع الدول العربية التقدمية ولا سيما الجمهورية العربية المتحدة.3- ينظر الحزب والثورة في هذا القطر بارتياح وتفاؤل إلى اللقاءات الوحدوية التي تمت بين الجمهورية العربية المتحدة وليبيا والسودان، لذا سنعمل لتأخذ الجمهورية العربية السورية مكانها الطبيعي في هذه اللقاءات الوحدوية.4- دعم الثورة الفلسطينية وبذل أقصى الجهود المخلصة للعمل على تحقيق وحدة فصائل المقاومة.5- دعم الحركات التقدمية في الوطن العربي بكافة الوسائل والعمل على تحقيق الجبهة العربية التقدمية.هذه التوجهات أخذ القائد الخالد حافظ الأسد على نفسه تحقيقها على أرض الواقع.وتحققت على أرض الواقع هذه الأهداف، وتوالت الإنجازات التاريخية، وظهرت ملامحها إنجازاً عقب إنجاز. وكان أول إنجازات الحركة التصحيحية المجيدة، بل أعظمها، قيام الجبهة الوطنية التقدمية. لقد عبرت الحركة التصحيحية المجيدة عن إيمانها بهدف الوحدة العربية، وعملت على إعادة الوعي تجاه قضية الوحدة العربية. لقد كان القائد الخالد حافظ الأسد مسكوناً بالهم القومي، لأن الهم القومي جزء لا يتجزأ من شخصيته ومن فكره وثقافته وقراره السياسي. ونحن نزداد يوماً بعد يوم قناعة واقتناعاً بأنه بغير تحقيق الوحدة العربية، فإن وجودنا، حاضراً ومستقبلاً، يغدو عرضة للخطر.الوحدة العربية ليست ترفاً فكرياً، وهو أمر حاول البعض أن يسبغه على هذه القضية القومية الكبرى، وإنما هي هدف استراتيجي لا قبل للعرب بأن يكون لهم موقع في عالم اليوم، وفي عالم الغد ما لم يمتلكوا القدرة على تحقيقه. إنها ضرورة حياتية باعتبار مصير العرب ومستقبلهم مرتبطين بها.وما زلنا نذكر كلاماً قاله القائد الخالد حافظ الأسد ذات يوم، وهو كلام رائع في إيجازه وبلاغته. لقد قال الأسد: ((إن التجزئة هي العدوان الاستراتيجي على الأمة العربية)). وكان معنى ذلك هو أن كل عدوان آخر لا يعدو أن يكون عدواناً تكتيكياً، لكن التجزئة وحدها هي العدوان الاستراتيجي. وحين يكون العدوان استراتيجياً، فإن مسؤولية التصدي لهذا العدوان والتغلب عليه تغدو مسؤولية كبيرة وبغير حدود. وأدبيات الحركة التصحيحية، مجسدة في كل ما قاله قائدها ومهندسها ومبدعها القائد الخالد حافظ الأسد، غنية بالنصوص التي تفصح عن عمق الصلة بين القائد الخالد حافظ الأسد، وبين هدف الوحدة الذي لا يعلو عليه من بين جميع أهداف النضال العربي، أي هدف. ولعل الفرصة تتاح لي في يوم من الأيام للقيام بقراءة شاملة لأدبيات التصحيح في المسألة القومية، وفي المقدمة منها الوحدة العربية.هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يقال في مسألة الوحدة العربية، لكن هذا الكثير يمكن اختزاله في كلمات معدودات، وهي أن الوحدة العربية تختصر جميع أهداف النضال العربي. ألم يقل القائد الخالد حافظ الأسد ذات يوم كلاماً، وهو أنه ((من أجل الصمود نريد الوحدة، ومن أجل التصدي نريد الوحدة، من أجل فلسطين نريد الوحدة، من أجل التحرير نريد الوحدة، من أجل الكرامة العربية نريد الوحدة، من أجل الحرية نريد الوحدة، من أجل الوحدة نريد الوحدة)).ثم إن هناك كلاماً آخر قاله القائد الخالد حافظ الأسد ذات يوم وهو: ((إن الوحدة العربية سوف تكون الغاسل الجذري لكل مشكلاتنا)). وهو الذي قال في يوم من الأيام: ((إنه ليس من أهداف النضال العربي هدف يتعرض إلى غارات الأعداء كهدف الوحدة)). تلكم مجرد نماذج مما قاله الأسد، في المسألة الوحدوية التي نرى فيها جزءاً لا يتجزأ من رؤيته الاستراتيجية، ومن سياسته القومية.وفي هذا السياق، نود أن نتذكر كيف كانت حياتنا الفكرية، وليست السياسية فقط، حافلة بالمعارك الكبرى بين الذين يعلون من شأن الوحدة العربية، وبين الذين يناصبون الوحدة عداء تمتد جذوره عميقاً في ثقافتهم ومنابعهم الفكرية والأيديولوجية. لكن هناك مسألة جديرة بالتأمل وهي أن هناك الآن ما يمكن أن نسميه بعودة الوعي تجاه قضية الوحدة العربية. حتى الذين كانوا يناصبون هذه القضية العداء، أخذوا يراجعون أنفسهم وقناعاتهم ويعيدون النظر في مواقفهم. وهذا تطور هام ينبغي تشجيعه والأخذ بيده ليصل إلى مرحلة النضج والاكتمال. وإذا كان صحيحاً أن الوحدة العربية حلم بعيد المنال، فإن الصحيح أيضاً هو أن الأهداف العظيمة تبدأ بالأحلام العظيمة التي تصنعها المخيلة القادرة على ارتياد الآفاق البعيدة والشاسعة. وتلكم هي على وجه الضبط والتحديد مخيلة القائد التاريخي حافظ الأسد.وفي معرض إجابة القائد الخالد حافظ الأسد على أسئلة جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 21/3/1971، صرح القائد الخالد للجريدة. (إنني قومي عربي اشتراكي، وأعتقد أن التجزئة التي يعيشها المواطن العربي هي من أهم الأسباب التي تعرض شعبنا العربي لهذه الانتكاسات التاريخية الكبرى، التي نراها ونلمسها. والرد العلمي الوحيد لتلافي هذه الانتكاسات واسترداد اعتبارنا تاريخياً هو أن نصل إلى الدولة العربية الواحدة التي تضم أجزاء هذا الشعب).ومن هذا القول، نستخلص أن رؤية القائد الخالد حافظ الأسد القومية تتجاوز التجزئة المؤقتة والعابرة، وترى إلى الأمة في حقيقتها الكاملة باعتبارها أمة واحدة ذات لسان واحد يصنع دماغها المشترك، وذات ثقافة واحدة تصنع وجدانها المشترك، وذات أرض واحدة تصنع جغرافيتها المشتركة، إنها الرؤية التي تتعامل مع التاريخ من حيث هو عامل ربط، والتي تتعامل مع عروبة الزمان أي عروبة التاريخ، ومع عروبة المكان أي عروبة الجغرافيا، ومع عروبة الوجدان أي عروبة اللغة واللسان، على أنها وحدها صاحبة الحق في اتخاذ القرار. المواقف القومية من لبنان وفلسطين أنموذجا لقد نهض القائد الخالد حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970، إلى حمل مسؤولياته الوطنية والقومية.فها هو يقف إلى جانب الشعب العربي في لبنان في محنته، ليذود عنه ويدافع عن مستقبله. ولقد قال القائد الخالد حافظ الأسد: ((إن ما يربط سورية ولبنان، هو من صنع الله، وما صنعه الله لا تفرقه إرادة البشر)). إن هناك حقائق موضوعية تحكم العلاقة بين سورية ولبنان، وهي بالنتيجة علاقة عفوية. هناك تداخل نوعي بين سورية ولبنان، وبين بلاد الشام على وجه الإجمال. ولو دققنا في الخارطة الجغرافية جيداً، لوجدنا أن لبنان جزء من كل أوسع وأشمل وأكبر، وهو يشكل الخاصرة الطرية لسورية التي كان يمكن أن تنفذ من خلالها الحراب الإسرائيلية إلى القلب السوري.وهنا كانت رؤية القائد الخالد حافظ الأسد الاستراتيجية والمستقبلية. ومن يقرأ التاريخ يستطيع أن يستكشف وأن يستشف المستقبل. والقائد الخالد حافظ الأسد الذي يملك قدرة نادرة على تلك القراءة وعلى ذلك الاستحضار، استطاع أن يدرك كم أن لبنان يشكل أهمية استراتيجية بالنسبة لسورية، وذلك بغض النظر عن أن لبنان في الأصل والأساس هو جزء من كيان واسع وأشمل نسميه بلاد الشام. لذلك اتخذ القائد الخالد حافظ الأسد قراره التاريخي عام 1976، بإنقاذ لبنان، وقام بمجازفة سياسية محسوبة وموزونة، كان يقرأ التاريخ جيداً. ولو لم يفعل ما فعله آنذاك، لكان لنا شأن غير الشأن الذي نحن عليه الآن. لقد حدث ما حدث عام 1982، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت، واقتربت من القلب السوري. لقد كان قرار قائد التصحيح قراراً يقرأ المستقبل قراءة دقيقة، وبالتالي فإن هذا القرار حصَّن سورية تماماً كما حصَّن لبنان من المخاطر التي تحدق بهما، وهي بطبيعة الحال مخاطر العدو الصهيوني بالدرجة الأولى.هذه الرؤية الواسعة والشاملة والخاصة، هي التي دعمت المقاومة في جنوب لبنان، ووقفت معها في دفاعها عن أرض لبنان، حتى تمكنت من دحر العدوان وهزيمته في أيار من عام2000. لقد أدرك قائد التصحيح عمق ما يربط بين سورية ولبنان، وأن أي قائد آخر غير القائد الخالد حافظ الأسد لم يكن قادراً على أن يفعل ما يفعله، لأنه هو من قال أكثر من مرة: ((إننا لا نرى الخطوط، ولا نأبه لهذه الخطوط الحمراء)). لم يكن القائد الخالد حافظ الأسد يميز بين ما هو وطني وما هو قومي. الوطني متداخل مع القومي، والقومي جزء من الوطني، وبالتالي، فإن حافظ الأسد بدفاعه عن لبنان، إنما كان يدافع عن سورية أيضاً من خلال هذه الرؤية الموحدة لهذين الكيانين. أي قائد استراتيجي لا بد أن يمد بصره صوب الأفق الأوسع والأرحب. ونحن نذكر أن القائد الراحل جمال عبد الناصر قال عبارة شهيرة ذات يوم، حين أرغمته الظروف على أن يرسل قواته إلى اليمن عام 1962، بعد قيام الثورة اليمنية في 26 أيلول 1962، وقيام النظام الجمهوري وتعرض هذا النظام لمحاولات إسقاطه، قال القائد الخالد جمال عبد الناصر: إنني بدفاعي عن التراب اليمني، إنما أدافع عن التراب الوطني المصري. هذه هي الرؤية القومية الشاملة التي ترى إلى الأمن الوطني على أنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.ها هو القائد الخالد حافظ الأسد يقف إلى جانب الشعب العربي في فلسطين. ولأن لفلسطين عنده موقعاً خاصاً، ولأنها العنوان الرئيسي لنضالنا الوطني والقومي، فقد كانت الرؤية القومية وحدها هي التي تستطيع أن تتعامل مع الحقائق الموضوعية، أي مع حقائق التاريخ والجغرافيا. إنها الحقائق الموجودة بصرف النظر عن رغباتنا ومصالحنا. وحين تقول هذه الحقائق الموضوعية أن فلسطين هي جنوب سورية، فليس لذلك من معنى سوى أن لسورية مسؤوليات خاصة تجاه فلسطين، وأن أية محاولة لإبعاد سورية عن القيام بهذه المسؤوليات، إنما هي من قبيل معاداة التاريخ ومناهضة الجغرافيا، أي أنها من قبيل الدخول في خصومة مع حقائق الطبيعة ذاتها، وهي خصوصية لا مناص من أن تسفر في نهاية المطاف عن خسارة مؤكدة سوف تصيب كل من يسعى للصدام مع هذه الحقائق.لكن الرؤية الإقليمية هي التي تنطلق من اعتبارات طارئة وعابرة ومؤقتة، أي تنطلق من التعامل مع الواقع العربي من اعتبارات التجزئة التي فرضت على وطننا بقوة السلاح، ولم يكن لأمتنا أن تفعل شيئاً إزاءها. هذه الرؤية هي التي تبيح لنفسها أن تفلسف التجزئة العربية، وأن تبحث لها عن إطار أيديولوجي يسعفها في الدفاع عن نفسها أمام هجمات الفكرة الوحدوية.إنها هي التي تتحدث عن خصوصيات عربية. وحين ندقق النظر جيداً في هذه الخصوصيات العربية، فإننا لا نجد أمامنا سوى الواقع الإقليمي العربي الذي فرضته ظروف التجزئة. ولو أنهم كانوا يتحدثون عن خصوصية عربية، لكان الأمر مفهوماً لأن هذه الخصوصية العربية هي خصوصية قومية تعطي أمتنا العربية هويتها التي تميزها عن غيرها من الأمم أي عن إقليميات عربية. وحين نصغي إلى بعض الإقليميين العرب وهم يتحدثون على فلسطين كجزء منعزل ومنفصل عن الوطن العربي، أو هم يتحدثون عن الشعب الفلسطيني دون تحديد هويته القومية، فإننا لا نستطيع أن نرى إلى الأمر إلا على أنه نوع من الفكر الإقليمي الجديد.نحن نقول بخصوصية فلسطينية، لكنها الخصوصية التي تقوم في وجه الخصوصية الصهيونية وليست تلك التي تقوم في وجه الخصوصية العربية. وأي كلام عن خصوصية فلسطينية خارج هذا الإطار لا يعدو أن يكون نوعاً من الزندقة السياسية والهرطقة الفكرية. ومن هذا المنطق يمكن القول إن سورية وفلسطين كل لا يتجزأ، وأن القرار الفلسطيني لا يكون قراراً مستقلاً إلا حين يكون قراراً قومياً، أي قراراً يرى إلى حقائق التاريخ والجغرافيا على أنها حقائق لا تقبل أي تزييف لأنها حقائق الطبيعة ذاتها. إن القرار الفلسطيني لا يكون وطنياً ما لم يأخذ بعين الاعتبار الحقيقة القائلة إنه لا تعارض ولا تناقض بين المصلحة الوطنية وبين المصلحة القومية.إن القرار الوطني يكون وطنياً بقدر ما يخدم المصلحة القومية العليا التي تعلو على أية مصلحة قطرية. من هذه المنطلقات القومية كان موقف القائد الخالد حافظ الأسد من فلسطين ومن شعب فلسطين، على اعتبار أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة المركزية التي يتشرف كل عربي بحمل مسؤوليته التاريخية ليعود الشعب إلى أرضه، وتعود القدس بمساجدها وكنائسها عربية اللسان وعربية التراب وعربية الهوية.إنه عيدك أيها القائد الخالد، العيد الثامن والثلاثون للحركة التصحيحية، لأنك أنت من فعلت ذلك كله. أنت من أشدت، وأنت من تصديت، وأنت من قدمت حياتك فداءاً لأمتك، فداء لعروبتك، وفداءاً لشعبك. وبعيدك نحتفل لأن راياتكم لا زالت مرفوعة بيد أمينة، ولا زالت مدرستكم هي المنهج، ولا زالت آمالكم وأمانيكم هي أمال الأمة وأمانيها بقيادة الشاب الأمين والمؤتمن، السيد الرئيس بشار الأسد. |