Tuesday, 06 January 2009
القائمة الرئيسية
صفحة البداية
ارتباطات
اتصل بنا
بحث في الموقع
بطاقة شخصية
حزبنا
جمال عبد الناصر
مبادئ الحزب
النظام الداخلي
هيكلية الحزب
نشاطات الحزب
نشاطات رئيسية
نشاطات الفروع
جمال.. في البال
عالم فسيح بغير حدود طباعة أرسل لصديق
صفوان قدسي   
2008-11-09

حافظ الأسد في عيده الـ 38

 

 

 

(1)

 

في عيده الثامن والثلاثين، ما الذي نستطيع أن نستعيده ونسترجعه ونتذكره؟.

نستطيع أن نستعيد وقائع تلك اللحظة الفاعلة في التاريخ حين نهض قائد عظيم إلى حمل مسؤولياته الوطنية والقومية، فكان نهوضه فتحاً مبيناً في حياة البلاد السياسية، واستهلالاً طيباً لبناء هذا الصرح الشاهد من الإنجازات المادية والمعنوية الكبرى،

وافتتاحية مناسبة لبناء سورية- القدوة، وسورية- النموذج، وسورية- المثل الأعلى للكثرة الكاثرة من خيرة المناضلين العرب في سبيل الأهداف القومية العظمى.

ونسترجع حقائق تلك اللحظة الفاعلة في التاريخ حين وقع ذلك التطابق بين الموضوعي والذاتي، أي بين دور تاريخي يبحث عن بطل، وهو دور اقتضته ضرورات سياسية، وأملته إرادة شعبية وجماهيرية، وبين بطل كان مهيأ بحكم النشأة والتكوين، وبفعل الثقافة والخبرة، لأن يقوم بهذا الدور، فكان ذلك اللقاء النادر والفريد بين البطل والتاريخ، أي بين الشرط الذاتي والظرف الموضوعي، أي، وباختزال شديد، بين إرادة الإنسان وحركة التاريخ.ونتذكر كيف أن تلك اللحظة الفاعلة في التاريخ لم تكن حصيلة تطور عفوي وتلقائي، وإنما كانت محصلة إرادة بشرية حرة وطليقة، أحسنت التعامل مع تلك اللحظة التاريخية المناسبة، وأجادت التفاعل معها، فكان من شأن ذلك، الإمساك بهذه اللحظة، وإحكام القبضة عليها، وتوجيهها صوب الأهداف التي ارتضتها تلك الإرادة الحرة والطليقة، لنفسها ولجماهير شعبها وأمتها. (2) ثم نتقدم خطوة إلى الأمام فنستعيد كيف كانت العودة بسورية إلى ممارسة مسؤولياتها القومية، لكنها هذه المرة من موقع الدولة القادرة والمقتدرة، الفاعلة والمؤثرة، وكيف كانت إعادة الاعتبار إلى مجموعة من قيمنا الشريفة، ومن أهدافنا النبيلة، ومن غاياتنا الأصيلة، وهي قيم وأهداف وغايات كان هناك من يحاول حذفها من دماغنا، وشطبها من قاموسنا، وإزالتها من وجداننا، وفي المقدمة منها قضية الوحدة العربية.ونسترجع كيف كان الحشد والإعداد، وكيف كان التفكير والتدبير، وكيف كان التخطيط والتنفيذ، لاستعادة الأرض، ولو كانت بعض الأرض، ولاسترداد الكرامة، ولإسقاط الأساطير، وتبديد الأوهام، وتقويض الخرافات.ونتذكر كيف أن الهوية القومية كانت الهوية الأكثر وضوحاً، وكيف أن الالتزام القومي كان الالتزام الأشد نصوعاً، ونتذكر كيف كانت التضحيات الجسام في سبيل تثبيت هذه الهوية القومية، وفي سبيل ترسيخها وتكريسها، وكيف كان النضال من أجل تأكيد هذا الالتزام القومي وتجسيده والتعبير عنه بجميع الوسائل الممكنة، والأساليب المتاحة. (3) ثم نتقدم خطوة أخرى إلى الأمام نستعيد من خلالها كيف كان الصمود في وجه العدوان، وكيف كان التصدي للمكائد والمؤامرات، وكيف كانت المجابهة مع الذين حاولوا العبث بوحدتنا الوطنية، وكيف كانت المواجهة مع الذين عملوا على تهديم ما بنيناه، وتخريب ما شيدناه.ونسترجع كيف كان تثبيت دعائم الوحدة الوطنية وأركانها، وكيف كانت الجبهة الوطنية التقدمية، وكيف كان السبق في الاكتشاف، وكيف كان التبكير في الاستكشاف، وكيف كانت الرؤية المستقبلية، وكيف كان ارتياد الآفاق البعيدة والشاسعة، وكيف كانت النظرة الثاقبة، والبصيرة النافذة، وكيف كانت النبوءة.ونتذكر كيف كانت التعددية الحزبية، وكيف كانت التعددية السياسية، وكيف كانت التعددية الاقتصادية، ونتذكر كيف كانت الحرية حريتين: حرية الوطن وحرية المواطن، وكيف كانت الديمقراطية السليمة التي لا تصنع فوضى سياسية، ولا تجعل المجتمع الواحد مجتمعات، ولا الشعب الموحد شعوباً، والتي لا تعيدنا إلى مرحلة الضياع والشتات وفقدان الطمأنينة والاستقرار. (4) ثم نتقدم خطوة ثالثة إلى الأمام فنستعيد ما قاله لنا الرجل الذي قلّ مثيله وعزّ نظيره، وهو أنه يجب أن لا نخضع استراتيجيتنا وأهدافنا لظروف عابرة، أو عوامل آنية، بل علينا أن نطور هذه الظروف العابرة والعوامل الآنية، وأن نطوعها ونعمل على صياغتها بما يلائم استراتيجيتنا وأهدافنا.ونسترجع ما قاله لنا البطل الذي نرى فيه تجسيداً للأمة في رجل، واختزالاً لها في بطل، وتعبيراً عنها في قائد تاريخي، وهو أننا أقوياء بتمسكنا المكين بأهدافنا الاستراتيجية، برؤيتنا الواضحة لعالم اليوم والصراعات الدائرة فيه، بوعينا للقوانين التي تحكم الصراع الدائر بين الشعوب وأعدائها على امتداد الكرة الأرضية.ونتذكر ما قاله لنا القائد الذي نرى في مدرسته الفكرية والسياسية مدرسة الشعب والأمة، وهو أننا لا نستهين بأعدائنا، ولا نستخف بالتحديات الموجهة إلينا، ولا نستسهل الصعاب المحيطة بنا، ولكننا نعرف مصدر قوتنا، وموارد طاقتنا، وينابيع العطاء التي لا تنضب في شعبنا، ونتذكر كيف اختزل القائد الموقف كله في نص ناصع في وضوحه، وفي عمقه، وفي صدقه، وفي قدرته التعبيرية، وهو أن ثورتنا مستمرة، قوية، أمينة لأهدافها الاستراتيجية، ثابتة على المبدأ، قادرة على قبول التحدي، قوية على الصعاب، مستحيلة الأخذ على الأعداء، عزيزة بوحدتنا الوطنية، بجماهير شعبنا وأمتنا الأمينة على أهدافنا المصيرية. (5) ثم نخطو خطوة أخيرة فنستعيد كيف أن الرجل والبطل والقائد الذي وقفنا جميعاً تحت أعلامه وراياته، لأنها أعلام الأمة وراياتها، كان يرى الحياة في رحابتها، والعالم في اتساعه، والحقيقة في تنوعها. يبتكر ولا يستعير. يجتهد ولا يحفظ عن ظهر قلب. يراجع ولا يتراجع. يقرأ في كتاب الحياة أكثر مما يقرأ في أي كتاب آخر. يجدد ولا يقلد. يتعامل مع الواقع المحسوس والملموس. لا يصد نفسه عن تجارب الآخرين بالتعصب. يفتح عقله على العالم من حوله، يأخذ منه ما يفيد، ويدع ما لا يفيد. لا يجمد الحياة والأفكار في قوالب مسبقة الصنع، ولا يقع تحت تأثير فكرة خاطئة وقع تحت تأثيرها البعض منا، وهو أن العالم محكوم بنموذج واحد ووحيد للتطور. عقله مصنوع من تراث الأمة وثقافتها وحضارتها وتجاربها وخبراتها، وفكره يمتلك دينامية خاصة تجعله قادراً على الاستقبال الذي يفيد ويضيف، بقدر قوته على الإرسال الذي يفعل ويؤثر.ونسترجع كيف أن البطل كان يتعامل مع الحقائق بواقعية سياسية مدهشة، ولكنها الواقعية المقرونة بالمبدئية. وحين تقترن الواقعية بالمبدئية، فإنها تغدو واقعية المناضلين لا واقعية المستسلمين. إنها الواقعية التي لا تفرط في حق، ولا تهاون في مبدأ، ولا تستهين بمصلحة وطنية أو قومية، ولا تساوم على قضايا المستقبل والمصير. إنها الواقعية التي تتعامل مع الواقع تعاملاً يفضي إلى تصحيحه وتنقيحه، إن لم نقل إلى تغييره وتبديله.ونتذكر كيف أن البطل كان يضبط حركته على إيقاع التاريخ، ويسقط ما يجزئ لصالح ما يوجد، ويعدم ما يبعثر ويشتت لصالح ما يجمع ويكتل، ويهمل ما يشكك لصالح ما يؤكد، ويزيل ما يعيق لصالح ما يشق الطريق، ويتخلى عما هو عارض ومؤقت لصالح ما هو دائم وثابت ومستمر. يحيط بالمشكلة في أبعادها، فهماً وتحليلاً واستيعاباً، ويقرن ذلك بقدرة غير عادية على إعادة تركيب ما يمكن أن يكون قد تبعثر من صورة المشكلة وتشتت، تركيباً يكون من شأنه جعل المشكلة قابلة للحل، لكنه الحل الذي يتمسك بالمبادئ، ويتشبث بالثوابت. (6) ثم إن هناك المزيد مما يمكن أن نستعيد ونسترجع ونتذكر. نستطيع أن نستعيد شجاعة حافظ الأسد العاقلة، وحكمته الجسورة، ونستطيع أن نسترجع رؤيته الصافية، وبصيرته الثاقبة، وقراره الصائب، ونستطيع أن نتذكر خصاله القيادية، وسجاياه النضالية.    (7)  نستعيد حسه السياسي السليم، ونظرته الاستراتيجية الشاملة، ونسترجع قدراته غير العادية، ومواهبه الاستثنائية، ونتذكر قدرته غير المحدودة على استيعاب المتغيرات، وقدرته المماثلة على الاستشفاف والاستكشاف. (8) نستعيد إحلاله لسورية موقعها الريادي من أمتها العربية، بحيث غدت الحاضنة الطبيعية للقيم العربية والمثل القومية، والرافعة الأكثر فاعلية والأعمق تأثيراً لكل ما من شأنه أن يصون الحق القومي، وأن يحصّن الإرادة العربية، ونسترجع كيف أن سورية في ذهابها إلى مدريد، كانت منسجمة مع موقعها، وفية لتاريخها، متفاعلة مع دورها. لم تغفل عن حقيقة إسرائيل التي يقوم وجودها على هرم شاهق من الأكاذيب التاريخية، والأضاليل العقائدية، وعلى هرم مماثل من الأساطير الدينية الملفقة، والخرافات التوراتية المتهافتة. ولم تغب عنها حقيقة أن فلسفة إسرائيل هي فلسفة القوة الضريرة، وفلسفة الشعب المختار، وفلسفة الاغتصاب والقضم والتوسع والاحتلال.ونتذكر كيف أن سورية في موقفها الصلب، لا المتصلب، وفي شدتها لا في تشددها، وفي تمسكها بالحق العربي، وفي دفاعها عن المصالح القومية، لا تتعامل مع الأوهام، وإنما تتعامل مع حقائق التاريخ ووقائع الجغرافيا، منطلقة من فهم عميق لطبيعة إسرائيل كياناً ووجوداً وفلسفة وأوهاماً تاريخية وخرافات توراتية. (9) هل هذا هو ما يمكن أن نستعيده ونسترجعه ونتذكره فقط، أم أن هناك ما يزيد وما يضيف وما يفيض؟.هناك الكثير الكثير من المخزون الذي تستطيع الذاكرة أن تستعيده، لكن هذا الكثير الكثير لا تتسع له الكتب والمجلدات، فكيف لكلمات معدودات أن تنجز ما لا تملك إنجازه الكتب والمجلدات؟. وكيف للجغرافيا الضيقة أن تتسع للزمان الرحيب؟. وكيف للمكان المحدود أن يستوعب الآفاق التي هي بغير حدود؟.ومع ذلك، فإن محاولة من هذا القبيل، يكفيها أن تنجز القليل، لأن في هذا القليل، عند التمحيص والتدقيق، الكثير الكثير مما يمكن أن يروى ويذكر ويقال.  (10) يكفينا أن نتذكر كيف كانت النشأة المبكرة، والبدايات الجنينية، لهذا المولود الجميل والنبيل الذي سرعان ما صلب عوده، واشتد ساعده، وبلغ سن الرشد.   (11) ويكفينا أن نتذكر كيف كان نهوض البطل إلى تحمل مسؤولياته الوطنية والقومية، وإلى التعبير عن لحظة تاريخية في مفصل رئيسي من مفاصل التاريخ الكبرى، وإلى تجسيد حقبة زمنية وقعت فيها تحولات كبرى، وسقطت دول عظمى، وانهارت حدود، وتوارت أيديولوجيات، ووقعت زلازل، وهبت أعاصير، وتدفقت مياه غزيرة تحت الجسر. (12) ويكفينا أن نتذكر كيف كان النشوء والارتقاء، وكيف كان الفعل والتأثير، وكيف كانت المواجهات والمجابهات، وكيف كان الانعتاق والانطلاق، وكيف كانت المجازفة المحسوبة، والإقدام المدروس، والقرار الموزون. (13) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت الشجاعة العاقلة والحكمة الجسورة، وكيف كانت الرؤية الشاملة والنظرة النافذة والبصيرة الثاقبة، وكيف كانت الخصال القيادية والسجايا النضالية، وكيف كانت المواهب الاستثنائية والقدرات غير العادية، وكيف كانت القدرة الفريدة على التحليق في أجواء المستقبل، وكيف كانت المقدرة النادرة على اختراق الحجب وارتياد الآفاق. (14) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت الفصاحة التي قلّ مثيلها، والبلاغة التي عزّ نظيرها، وكيف كان الارتقاء بالنص السياسي العربي إلى مستويات جديدة لم يبلغها من قبل، وكيف كان الانتقال بالخطاب السياسي العربي من حيث هو خطاب بائس ورث ومبتذل، إلى حيث ينبغي له أن يكون، خطاباً يجيد قراءة الواقع، ويحسن التعامل مع المتغيرات، ويتقن علم الاستقراء، تماماً مثلما يتقن علم الحساب. (15) ويكفينا أن نتذكر كيف كان التمييز بين مملكة الطبيعة ومملكة الإنسان، وكيف كان التفريق بين الانهماك في النظرية بحثاً عن الحياة، والانهماك في الحياة بحثاً عن النظرية، وكيف كانت الاستجابة لضرورات الواقع، وكيف كان التجاوب مع مقتضيات التطور، وكيف كان التفاعل مع متطلبات العصر.(16) ويكفينا أن نتذكر كيف كان التطابق والتكامل بين دور صنعته الطبيعة، وبين دور صنعه الإنسان. أي بين دور سورية- التاريخ ، وهو دور قائم بفعل التاريخ والجغرافيا والثقافة والموقع والموضع، وبين دور سورية حافظ الأسد، وهو دور قائم بفعل الإرادة السياسية مجسدة في قائد تاريخي واستثنائي. (17) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت المدرسة الفكرية والسياسية، الوطنية والقومية، الفريدة والرائدة، وكيف كان جلوسنا فوق مقاعدها، وقراءتنا لمفرداتها، وفهمنا لمصطلحاتها، والتزامنا بقيمها، وتمسكنا بمثـُلها، وارتيادنا لآفاقها. (18) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت الاستبصارات غير المسبوقة، والاكتشافات المبكرة، وكيف كان التمرد على الصيغ الجاهزة، والعصيان على النظريات المسبقة الصنع، وكيف كانت العودة إلى تراث الأمة وثقافتها وحضارتها، وكيف كان الحرص على مقدساتها، وكيف كان الإعلاء من شأن قيمها ومثلها العليا. (19) ويكفينا أن نتذكر كيف كان التمسك بخصوصيتنا القومية، وشخصيتنا العربية، وكيف كان الامتثال لحقيقتنا الحضارية ومعتقداتنا الروحية، وكيف كان تجسيد ذلك في الفكر والممارسة، وفي النظرية والتطبيق، وفي القول والعمل، وفي التفكير والتدبير. (20) ويكفينا أن نتذكر كيف كان الفهم الأصيل للديمقراطية، وكيف كان قوله، وهو دائماً القول الفصل، إننا نريد أن نعيش حريتنا الحقيقية عبر صيغ تنبع من أرضنا وإرادة جماهيرنا، وكيف كان قوله إن هناك تلازماً بين الحرية وممارساتها المسؤولة، وكيف كان قوله إن صيغة الديمقراطية ليست سلعة تستورد من هذا البلد أو ذاك، وإنما هي الإطار الذي يمارس فيه المواطنون حقوقهم وواجباتهم وفق ظروفهم المرحلية، وكيف كان قوله إنه بسبب عدم تماثل المعطيات الثقافية والتراثية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين شعوب العالم في أي وقت من الأوقات، لم تستطع أية صيغة ديمقراطية بعينها أن تفرض نفسها بقوتها أو بجاذبيتها على شعوب العالم في أي وقت على امتداد ما هو معروف من التاريخ الإنساني، وكيف كان قوله إن هناك ديمقراطية سياسية وديمقراطية اجتماعية وديمقراطية اقتصادية، بل وديمقراطية دولية في الوقت نفسه. (21) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت العودة إلى التاريخ والجغرافيا والحضارة والثقافة والتراث لتحديد خياراتنا الممكنة والمتاحة في رسم معالم الديمقراطية التي تتفق وتتوافق مع هذه الحقائق الثابتة والراسخة. (22) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت خصوصية التجربة الديمقراطية، وكيف كانت الخصوصية التي لا تنقل ولا تستعير، وكيف كانت الخصوصية التي لا تفتح الكتب المطبوعة وتحفظها عن ظهر قلب وتدير ظهرها لأكثر الكتب غنى وثراء وهو كتاب الحياة، وكيف كانت الخصوصية التي لا ترى بأن العالم محكوم بنموذج للتطور واحد ووحيد، وكيف كانت الخصوصية التي هي المحصلة الطبيعية لتجارب الشعوب وحكمتها وثقافتها وتراثها. (23) ويكفينا أن نتذكر كيف كانت الجبهة الوطنية التقدمية، وكيف كانت مؤسساتها التنظيمية والقيادية، وكيف كان فعلها السياسي، وكيف كان قرارها الاستراتيجي، وكيف كانت هناك محاولات لإجهاض هذه التجربة المتقدمة والرائدة والتي وصفها صانعها ومهندسها ومبدعها ومبتكرها بأنها الإنجاز الأكثر أهمية من بين إنجازات هذه الحقبة من تاريخنا، وكيف تصدت الكثرة الكاثرة منا لمواجهة هذه المحاولات، دفاعاً عن هذه التجربة العظيمة التي سبقنا بها عصرنا بعقدين من الزمن، والتي جسدنا من خلالها وحدتنا الوطنية، وحصّنا جبهتنا الداخلية، وكيف أمكن التعامل مع محاولات الإساءة إلى هذه الصيغة السياسية، ووحدة أحزابها، وتماسك تنظيماتها. (24) ويكفينا أن نتذكر كيف أن حافظ الأسد، وحافظ الأسد بالتحديد وبالتعيين، وبالحتم وبالحسم، ولا أحد غيره على الإطلاق، هو الذي كرس هذه الصيغة، وهو الذي أفسح المجال أمامها، وهو الذي أزاح العثرات من طريقها، وهو الذي حرص على تعزيزها وتطويرها وإغنائها، وهو الذي حال دون محاولات العبث بها وبأحزابها، وهو الذي رأى بأن هذه الصيغة السياسية المتقدمة، وهذا الاكتشاف المبكر، وذلك الاستبصار غير المسبوق، لا ينبغي لها جميعاً أن تفرز استطالات هامشية، ونتوءات غير طبيعية، وهو الذي رأى بأنه يتوجب علينا أن نبحث عما يضيف إلى حياتنا السياسية لا عما ينتقص منها، فكانت رؤيته هي الرؤية السديدة التي لا تجد في التعددية فوضى، ولا في الديمقراطية تبديداً لطاقات الشعب وبعثرة لها، ولا في الحزبية تشتيتاً للقوى وإضعافاً لها، وكانت رؤيته هي الرؤية الصائبة التي تقرأ خارطة الوطن قراءة صحيحة ودقيقة. (25) ويكفينا، قبل ذلك كله وبعده، أن نتذكر كيف كان القائد الخالد حافظ الأسد، وكيف كان تجسيداً للأمة في رجل، واختزالاً لها في بطل، وتعبيراً عنها في قائد تاريخي، وكيف كان الحافظ المقتدر لوجودنا القومي، وكيف كان الموئل والمثابة والملاذ لنا جميعاً، وكيف تحول إلى مرجعية قومية عليا نعود إليها ونتلقى في رحابها العبر المستخلصة والدروس المستفادة، ونتعلم منها كيف تكون الشجاعة عاقلة، وكيف تكون الحكمة جسورة، وكيف تكون الاستقامة والنزاهة، وكيف تكون العفة والطهارة، وكيف يكون الإبداع والابتكار، وكيف يكون العزم والعزيمة، وكيف تكون الإرادة الحرة والطليقة. (26) يكفينا أن نتذكر كيف أنه، لم يعد هناك متسع من الوقت، أو فسحة من الزمان، للعذر أو الاعتذار، فالباصرة قد تصيبها، لبعض الوقت، غشاوة تفقد معها القدرة على الرؤية الصحيحة والسليمة، والبصيرة قد تخسر، لفترة من الزمن، القدرة على ممارسة ما جبلت عليه، وما خلقت من أجله. لكن هذه الحقبة من تاريخنا، لا تبقي متسعاً لعذر أو معتذر، ولا فسحة لتسويغ أو مسوّغ، ولا وقتاً لضال أو مضلّل، فالحقيقة ناصعة في وضوحها، والحق باهر في جلائه، والباطل أضعف من أن يقتحم العقول، أو يكتسح القناعات، فالباطل، بطبعه وطبيعته، ضعيف، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح. (27) يكفينا أن نتذكر كيف واجهت هذه الحقبة من تاريخنا ما واجهت، وجابهت ما جابهت. لقد واجهت أشكالاً شتى من الهرطقة الفكرية، وجابهت ألواناً متعددة من الزندقة السياسية.ومنذ بداياتها المبكرة، خاضت غمار المعارك الكبرى، والحروب العظمى. قبلت التحديات، وتعاملت التعامل المناسب مع الافتراء والمفترين، ومع الضلال والمضلـِّلين، ومع الردة والمرتدين، ومع التآمر والمتآمرين. ظلت وفية لمبادئها، أمينة على قناعاتها، مخلصة لمنطلقاتها، منسجمة مع ذاتها. فكيف لباصرة أن لا تبصر، وكيف لبصيرة أن لا تتبصر؟. (28) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها فعلت فعلها الحاسم. قرأت التاريخ فأحسنت القراءة، وحددت معالم الحاضر فأتقنت التحديد، واستكشفت آفاق المستقبل فأجادت الاستكشاف. أدركت موقع سورية من أمتها العربية، ومن العالم من حولها، فكان هذا الإدراك إدراكاً للصلة الوشيجة والوثيقة بين السياسة والجغرافيا، وبين المكان والزمان. اكتشفت قدرات سورية الذاتية وأضافت إليها. وضعت يدها على مفاصل القوة وزادت عليها. أمعنت النظر جيداً في الخارطة السياسية وتعاملت معها. دققت مليّاً في العالم من حولها وفي تضاريسه التاريخية والجغرافية فاكتشفت الحقائق السياسية. عرفت أن القوة وحدها لا تكفي، فالإرادة تفعل فعلها في هذا المجال، فعمدت إلى تعزيز هذه الإرادة وتوطيد أركانها، وقالت قولتها الشهيرة إن الأرض قابلة للاحتلال وقابلة للاستعادة، لكن المهم هو أن تظل الإرادة حرة وطليقة. حفظت عن ظهر قلب الحقيقة القائلة إن الإنسان هو الأساس في كل بناء،  فسعت، ما وسعها السعي، إلى بناء هذا الإنسان وإلى استيلاده من جديد. (29) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها اكتشفت واستكشفت. اكتشفت بأن لكل أمة خصوصيتها القومية، فاستكشفت خصوصية الأمة العربية، فكان هذا الاستكشاف إيذاناً بفتوحات فكرية غير مسبوقة. رفضت النظريات الجاهزة، وأهملت الأفكار المسبقة الصنع. انهمكت في الحياة بحثاً عن النظرية. امتنعت عن استعارة أفكار الآخرين، وتمنعت على محاولات الغزو الفكري والثقافي التي كان يراد منها تحويل الحركة إلى صورة طبق الأصل عن نماذج للتطور قد تكون صالحة لمجتمع من المجتمعات، لكنها ليست بالضرورة صالحة لكل المجتمعات. قرأت في كتاب الحياة، ووجدت أن الحياة أشد اتساعاً من أية نظرية جاهزة، وأكثر رحابة من أية فكرة معلبة. حللـَّت خصوصيتنا القومية، فتوصلت إلى استنتاج مفاده أن نموذج التطور في هذا البلد أو ذاك ليس بالضرورة هو النموذج القابل للاقتداء، وأن نظام ممارسة الحرية في بلد من البلدان ليس بالضرورة هو النظام الجدير بالاحتذاء، وأن الديمقراطية ليست نصوصاً مقدسة في كتاب هبط علينا من السماء، وإنما الديمقراطية وأساليب ممارستها هي المحصلة الطبيعية لتجارب الشعوب وخبراتها وتاريخها وثقافتها وتراثها وحضارتها، وأنه ليس هناك نموذج واحد ووحيد لمثل هذه الممارسة. (30) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها رصدت إيقاع التاريخ، وضبطت وقع خطاها على وقع خطى التاريخ، دون أن تتحول إلى مجرد ترس في آلة التاريخ الكبرى. حلقت في آفاق المستقبل دون أن تغادر الواقع، وارتادت الأماكن البعيدة والشاسعة دون أن تنسى مهدها الذي ولدت فيه، ولا موقعها الذي انطلقت منه. قرأت المتغيرات في العالم من حولها، لكنها رأت في هذه المتغيرات مجرد لحظة في سياق التاريخ. تعاملت مع هذه المتغيرات من منطلق الحرص على المصالح الوطنية والقومية العليا، دون أن تستسلم إلى أية أوهام. درست هذه المتغيرات دراسة فاحصة ومدققة، وتوصلت إلى أننا أمام وضع عالمي جديد، وليس أمام نظام عالمي جديد. فالنظام العالمي الجديد يحتاج إلى مخاضات أخرى كي يأخذ طريقه إلى التشكل في صورته النهائية. والفارق بين الوضع وبين النظام فارق كبير. استبصرت المستقبل، وكانت لها نبوءتها الخاصة التي لم يسبقها إليها أحد، لذلك فقد نبهت وحذرت وقرعت نواقيس الخطر حين كان الآخرون عاجزين عن امتلاك القدرة على الإصغاء إلى نبض الواقع وحركته واتجاهاته. سمعت جيداً دوي الزلزال وهو مازال بعد في بداياته الجنينية، ورصدت حركته رصداً محكماً، فأمكن لها أن تتعامل مع المتغيرات وحقائقها التعامل المناسب والملائم. (31) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها نادت بالسلام العادل والشامل، وباعتماد مبادئ الشرعية الدولية، وبتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وباستعادة الأرض كاملة غير منقوصة، وبإحقاق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وبتحكيم معيار واحد في التعامل مع الدول، وبالامتناع عن الكيل بمكيالين، وذهبت إلى مؤتمر السلام في مدريد وفق مبادئ واضحة لا تحتمل أي لبس أو تأويل، وثابرت على موقفها المعزز والمدعم بتأييد شعبها وأمتها العربية. (32) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها أعلت من شأن الوحدة العربية، وليس من أحد غير قائدها العظيم هو الذي قال إنه ليس بين أهداف النضال العربي هدف يتعرض لغارات الأعداء كهدف الوحدة العربية. وليس من أحد غير قائدها الكبير هو الذي وصف الوحدة العربية بأنها الغاسل الجذري لكل الرواسب العفنة التي تعيق مسيرة أمتنا. وأدركت بأن الوحدة هي من المحظورات والممنوعات الدولية، لكن ذلك لم يدعها تستسلم لليأس، منطلقة في ذلك من أن الإرادة تستطيع أن تقهر التحديات، وأن الإنسان الحر والطليق يستطيع أن يتعامل مع جميع الظروف المحيطة به، فمضت بعيداً في محاولاتها النبيلة لتحقيق المشروع القومي العظيم للأمة العربية. قرأت واقع الأمة العربية قراءة صحيحة، ووجدت أن الوحدة كهدف استراتيجي قد يكون بعيد المنال، فعمدت إلى استحضار هدف تكتيكي يمكن أن يعوض، بهذا القدر أو ذاك، ولفترة محدودة من الزمن، عن الهدف الاستراتيجي العظيم. هذا الهدف التكتيكي الذي لا يتعارض ولا يتناقض مع الهدف الاستراتيجي هو التضامن العربي، ولا بأس هنا من إضافة صفة لازمة لهذا التضامن وهي صفة الفعّال. درست خارطة الوطن العربي دراسة عميقة، وتوصلت إلى أن هناك واجباً قومياً ينبغي لسورية أن تؤديه بحكم الموقع والموضع، وبحكم التاريخ والجغرافيا، وبحكم الالتزام والانتماء، فنهضت إلى تأدية هذا الواجب، وكان المثال اللبناني هو المثال الأكثر وضوحاً والأشد تعبيراً عن الدور السوري، الذاتي والموضوعي، الوطني والقومي، وهو دور صنعته الطبيعة، تماماً مثلما صنعه الإنسان. (33) ويكفينا أن نتذكر كيف أنها سبقت عصرها، وسابقت زمانها، فكانت اكتشافاتها المبكرة، وصيغها المبتكرة، وأساليب عملها الفريدة، ومؤسساتها السياسية المتقدمة. كانت التعددية الحزبية والسياسية، وكانت الجبهة الوطنية التقدمية، وقبل هذه وتلك وبعدهما، كانت الوحدة الوطنية التي ما كان لهذا الصرح الشاهق من الإنجازات المادية والسياسية الكبرى أن يظل شاهقاً دون هذه الوحدة الوطنية التي جسّد حافظ الأسد معادلها الموضوعي أفضل تجسيد. (34) ونضيف إلى ذلك كله كلاماً آخر، وهو أن هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يعاد ويستعاد، وهناك الكثير الكثير مما يمكن أن يروى ويقال، وهناك الكثير الكثير مما يمكن أن تطلقه الحافظة وتحرره الذاكرة التي اعتادت، بين وقت وآخر، على ممارسة عادة غير مستساغة، إن لم نفصح أكثر فنقول إنها عادة مرذولة، وهي عادة النسيان التي إذا أصابت أمة من الأمم، أفقدتها ذاكرتها السياسية. وحين تفقد الأمة ذاكرتها السياسية، فإن كل شيء يغدو مباحاً مستباحاً، بحيث تنقلب الموازين، وتختل المعايير، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى خلل خطير يصيب قيم الأمة ومثلها العليا، وهو أمر لا ينبغي له أن يجد الأبواب أمامه مفتوحة، ولا الطرق سالكة، ولا الدروب سهلة العبور والمرور، وتلكم هي مسؤوليتنا جميعاً. ولا يعفيّن أحد نفسه من هذه المسؤولية، فالوطن وطننا، والثورة ثورتنا، والتاريخ تاريخنا، وما صنعناه عبر هذه الحقبة المديدة من حياتنا الوطنية والقومية، لا يمكن أن يطويه النسيان، ولا أن يتسرب من الذاكرة في لحظة هي بحق لحظة الفصل ولحظة الحسم ولحظة القرار الذي سوف يكون من شأنه أن يحدد المآل، وأن يرسم المصير. (35) ثم إنه ينبغي لحافظتنا أن تطلق الحقيقة التي يحاول البعض تقييدها بالأصفاد والأغلال، وهي أنه على الرغم من كل الأخطار والمخاطر، العقبات والعثرات، وبرغم كل الصعوبات والمشقات، فإن هذه الحقبة من تاريخنا كانت حقبة حافلة بكل ما من شأنه أن يجعلنا نفخر ونفاخر دون استعلاء، ونعتز ونتباهى دون غرور. إنها الحقبة التي صنعت من سورية دولة بمعنى الكلمة، قادرة ومقتدرة، فاعلة ومؤثرة، في يدها مفاتيح الحل والربط، وعلى لسانها صوت الشعب والأمة، وفي عقلها المفكر ودماغها المدبر رؤية شاملة، واستراتيجية متكاملة، ونظرة نافذة، وبصيرة ثاقبة، وقدرة غير محدودة على الإمساك بما هو ثابت، وإطلاق سراح ما هو متغير ومتبدل. لكن السؤال الذي يسبق كل الأسئلة، والتساؤل الذي يتقدم على جميع التساؤلات هو: أية سورية هذه التي صنعتها هذه الحقبة من تاريخنا؟. لكن الجواب سرعان ما ينطلق كالسهم صوب هدفه: إنها، بالتحديد وبالتعيين، وبالقول الفصل الذي ليس بعده أي قول، سورية القائد الخالد حافظ الأسد.    
 
< السابق   التالي >
صفحات الموقع
مقالات ودراسات
اقتصاد
قضايا مجتمعية
عين على الصحافة
قوانين عربية
كلمات السيد الرئيس
جريدة الميثاق
أعداد الجريدة
استطلاع الشهر
RSS
 


جميع الحقوق محفوظة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي (2007)