|
باتريك سيل
|
|
2008-11-09 |
حافظ الأسد في عيده الـ 38 كان الأسد متشرباً بالعزة القومية ومغمساً بالدبلوماسية، ولا يبدي اهتماماً كبيراً بالقضايا الداخلية، وهو في ذلك كأنه ((ديغول)) عربي. فالوقوف في وجه إسرائيل، والصراع مع القوى الأجنبية الأخرى، التي هي الموضوعات الأساسية لهذا الكتاب، كانت هي القضايا التي كرس لها معظم ساعات عمله. وإن كان للقضايا السورية الداخلية أي شأن،
فهو لا يتعدى كونها قاعدة للعمل الخارجي، لأن الجانبين كانا في ذهنه مترابطين ترابطاً وثيقا. فلكي يكون قوياً في الخارج، عليه أن يكون قوياً في الداخل. غير أن القوة في الجبهة الداخلية قد تعني- وكانت تعني فعلاً- أشياء مختلفة. فعلى أحد المستويات، كان الأسد يشعر بأنه يجب أن يظل بلا منازع فلا يتحداه أحد على الإطلاق، وأن أي كمية من الديمقراطية الفعلية قد تصبح مصدر إرباك. وعلى صعيد آخر، كان يدرك أن سياسته الخارجية تتطلب أسساً تحتية من القوة الحقيقية لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً قوة اجتماعية واقتصادية، وأن ذلك لا تحققه إلا جهود مجتمع طموح مليء بالحيوية. وطوال فترة حكمه، ظل يتصارع مع مشكلة التوفيق بين الطاعة والحيوية الديناميكيين.ورغم أن التركيز قد انصب على القضايا الخارجية، فإن الأسد، في ربع قرن من الحكم البعثي قد استطاع إحداث تغيير جذري في الحياة السورية. فسورية المتخلفة الفقيرة المعوزة المستغَلة التي عرفها في شبابه، أصبحت وديعة في ذمة الماضي، وبرز مكانها مجتمع يتجه إلى التحديث بسرعة، غني وناجح بشكل معقول، ومجهز جيداً بشكل يجعل أداءه أفضل من أداء معظم البلدان النامية في العالم الثالث. ولقد بقيت هناك مشاكل خطيرة، ولكن البيئة الطبيعية قد تغيرت، حتى لم يعد من الممكن تمييزها، فظهرت فيها الجسور والسدود والطرق وسكك الحديد، وازدهار في الإعمار والإنشاءات لم يسبق له مثيل، واتسعت أسباب المعيشة وتحسنت نوعيتها للغالبية العظمى من السوريين ولاسيما فلاحي الريف الذين كانوا في السابق مهمَلين.وكانت بدايات الثورة الاجتماعية والسياسية تسبق الأسد، بل وتسبق حتى البعث. ففي أواخر الأربعينات وخلال الخمسينات تعرض نظام الوجهاء القديم للهجوم، أولاً على يد الانقلابيين العسكريين، ثم على يد عبد الناصر الذي حكم سورية أكثر من ثلاثة أعوام منذ 1958، فأدخل إليها الإصلاح الزراعي، والتخطيط المركزي. كانت تلك هي الفترة التي انغرست فيها فكرة ممارسة الدولة للسلطة على كل جوانب حياة مواطنيها. غير أن فترة الستينات هي التي شهدت إعادة تركيب العلاقات السياسية والاجتماعية بشكل عميق. فبعد حصول البعث على السلطة حطم قوة ونفوذ النخبة من أبناء المدن، ورفع رجالاً من أصول وخلفيات ريفية، وجعل الدولة أهم وأبرز أرباب العمل، وعلى الرغم من كارثة حرب 1967، فقد بدأت الدولة بمشاريع كبرى بمساعدة الاتحاد السوفييتي، فكان سد الفرات أضخم صروحها. كانت تلك هي السنوات التي بدأت تتكون فيها كوادر حزبية طموحة. وهي سنوات شرع الأسد يعلي البناء على الأسس التي أرستها.غير أن اضطرابات الخمسينات والستينات، أدت كذلك إلى انقسامات عميقة. واعتباراً من عام 1970، كانت مهمة الأسد هي توحيد الأمة، ومصالحة الطبقات المتحاربة، وإزالة مذلة عام 1967، بحرب تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1973. ثم إن فيض الأموال التي بدأت تصل إلى سورية بعد انفجار أسعار النفط أتاح له فرصة جعل السبعينات عقد تكون وتراكم رأس المال، والاستثمارات الكثيفة في الزراعة، والصناعة، والبنى التحتية، والصحة، والتعليم. وحدثت أخطاء، ولكن الكثير قد تم إنجازه. وفي الثمانينات، بعد الانتصارات التي تمت بصعوبة وقتال ضار على الإخوان المسلمين في الداخل،وعلى إسرائيل في لبنان، كسبت سورية وزناً عربياً ودولياً، وهي مكانة عبرت عن نفسها في تلاحم اجتماعي أكبر برغم التضخم وغيره من الأمراض. كانت سورية بعيدة عن المجتمع الاشتراكي الذي كان يريده متمذهبو البعث المثاليون، ولكن هذا المجتمع كان قوياً متيناً، وكان يبدو مشروعاً ناجحاً مزدهراً فيما لو لم يتعرض لحرب أو لنوع آخر من الاضطراب الهائل. نمو دمشق ولقد ترك تاريخ هذه العقود المعذبة بصماته على دمشق، وكانت المفارقة أن احتلال الريف للعاصمة قد نجم عنه انفجار لم يسبق له مثيل من الاعتزاز بالمدن. وفي الكفاح من أجل المصالحة، أغدق الأسد الأموال على المدينة، وقدم الاحترام للزعماء الاجتماعيين والدينيين، وأقام جسوراً بين القادمين الجدد من الريف وبين البرجوازية التجارية. وفي إشارة ودية للسكان المسلمين السنة أدى العمرة في مكة عام 1974، وبعد عقد من الزمن، في عام 1983، خصص جائزة لمرتلي القرآن.في عام 1945، عندما كان الأسد طالباً في المدرسة، كانت دمشق بلدة يقطنها 300.000 نسمة. وعندما تسلم السلطة في عام 1970، كان عدد سكانها قد تجاوز الثمانمائة ألف. ولكن خلال أقل من عشرين سنة بعد ذلك، في أواخر الثمانينات، كان السكان قد انفجروا إلى أربعة أضعاف ذلك الرقم، فأصبحوا يزيدون بكثير على ثلاث ملايين. وذلك انعكاس للحروب، والثورة الاجتماعية، ومعدل ولادات قدره 3.8 بالمائة، وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم.لقد تدفق اللاجئون على دمشق بعد سقوط الجولان في عام 1967، وعندما انفجرت الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975، وعندما غزته إسرائيل في عام 1982، وبالطبع عند كل كارثة جديدة في الملحمة الفلسطينية الهائلة: 1948و1967و1970و1982. وبحلول الثمانينات كان هناك حوالي ربع مليون فلسطيني قد لجأوا إلى سورية، معظمهم في دمشق، وظل حوالي ربعهم يقطن في مخيمات، بينما اندمج الباقون في الحياة السورية. وباعتبارها قريبة من خط الجبهة، معرضة لخطر الحرب باستمرار، كان على دمشق أن تجد متسعاً لعوائل الحاميات العسكرية الكبيرة في ضواحيها. وكانت جامعتها تحوي 75.000 طالب في عام 1972، حتى خف الضغط عنها عند توسيع جامعة حلب، وإنشاء جامعتين أخريين في حمص واللاذقية. وباعتبار دمشق عاصمة مركزية، ومقر سلطة الحزب، ومقر كثير من الصناعات ومشاريع الدولة، فقد كانت نقطة جذب للناس من جميع أنحاء البلاد.ولكن أكبر عامل في نمو المدينة كان زحف الفقراء إليها من الريف في سيل لا ينقطع. ولإيوائهم انفجرت المدينة خارج حدود الخطة التي رسمها مهندس تخطيط المدن الفرنسي إيكوشار في عام 1968. فراحت تلتهم بساتين الغوطة النفيسة، وابتلعت كذلك القرى المجاورة بالجملة، وشكلت ضغطاً رهيباً على عين الفيجة، الينبوع الذي ظل يروي دمشق أجيالاً، ثم شرعت تتلوى في شريط من العمارات المتورمة القائمة على المضاربات على طول الطرق الموصلة حتى التصقت تماماً بالحد الطبيعي لجبل قاسيون في الشمال الغربي، وتلال المزة إلى الغرب، وما تبقى من منتجع الغوطة في الشرق. أما في الجنوب، على طول الطريق إلى القنيطرة، الذي كان يمر خلال الصحراء والشجيرات المنخفضة، فقد راح الناس يحفرون آباراً ويزرعون قطعاً من الأرض بالخضراوات، ويقيمون بيوتاً صغيرة. واستمر تدفق الفلاحين على دمشق مع ذلك، وعندما لم يستطيعوا العثور على مأوى سكنوا في أكواخ غير مرخصة عند مداخل المدينة، وعلى المنحدرات الأعلى فوق قاسيون. وكانت هذه ثماني مناطق تدهورت في منتصف الثمانينات حتى صارت أحياء فقيرة قذرة مكتظة بما يقرب من مليون نسمة. وبعد محاولة فاشلة لوقف الزحف الكثيف، اعترفت السلطات بأولئك السكان غير النظاميين كسكان دائميين وبدأت اعتباراً من عام 1982، تجهزهم بالشوارع والمدارس، والعيادات، والكهرباء، وصنابير المياه ذات العدادات.ولحفظ دمشق من المزيد من النمو غير المخطط، أقيمت ضواحٍ سكنية في عام 1980، كمدينة جبل قاسيون، لإيواء 9.000 نسمة على موقع مساحته 2.600 هكتار، و سلسلة قرى الأسد لإيواء 60.000 نسمة في شمال العاصمة. وامتدت طرق وسكك الحديد التي عوّدت السوريين على التنقل بين العاصمة والضواحي للعمل والعودة إلى مساكنهم.ومع ذلك، ظلت دمشق برغم هذا التوسع تعطي الانطباع بأنها مدينة منظمة التخطيط ومسيطر عليها، ونجت من الانتشار الفوضوي الذي تصاب به كثير من عواصم العالم الثالث. فالمخيمات البائسة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة حيث كان الوضع أسوأ من غيره، لم تصل حالتها إلى بؤس مدن الأكواخ الطينية والقصديرية الإفريقية أو الأمريكية اللاتينية. ففي معظم أحياء المدينة السبعة والستين، كانت الحياة منظمة بشكل معقول، والشوارع نظيفة ومزودة بالمياة، والقمامة يتم جمعها، والمرور ينتظم بلا ازدحام كبير، والخدمات العامة تعمل بطريقة مرضية إلى حد لا بأس به.في السبعينات والثمانينات نهضت عاصمة حديثة فيها جسور وأنفاق وساحات كبرى تربط أحياء سكنية واسعة ووحدات من الشقق والعمارات، وتجمعات لمبان جامعية ومستشفيات ومعاهد بحوث، كما ارتفعت بنايات فنادق دولية مثل الشيراتون والشام بالاس، الذي أقامه عثمان العائدي، أبرز بناة الفنادق في البلد، مع حديقتين عامتين شاسعتين في شرق دمشق وغربها، وصروح فارهة أخرى كقصر الضيافة الجديد الذي يستطيع إيواء أربعة رؤساء دول مع جميع مرافقيهم دفعة واحدة، والقصر الجمهوري الضخم الجديد المطل على المدينة ومكتبة الأسد، ومشروع مجمع دار الأوبرا المسرحي. وعلى طريق المطار تم إنشاء مركز للمؤتمرات على موقع مساحته عدة مئات من الدونمات، وكذلك معرض دمشق الدولي الجديد، ومدينة السينما والكلية العسكرية للبنات- وهذه كلها ترمز بطرق مختلفة إلى الطموحات المتعاظمة للبلد ورئيسه، فلقد كان الأسد يتطلع إلى جعل سورية القوة العربية المسيطرة في المشرق، وبطلة الصراع مع إسرائيل، وأمة معادلة في أهميتها لمصر والعراق، وأراد عاصمة تليق بذلك.في عملية تكوين أمة، استعمل الأسد والبعث التاريخ، وعلم الآثار، والمنجزات الثقافية الحضارية والعلمية للعرب. ومن الآراء الشائعة أن سورية ظلت نائمة عشرة قرون، وقد نزعت عنها طبيعتها السيطرة الأجنبية، وحان وقت تحريكها وإحيائها، ومن الشروط المسبقة لذلك فهم الماضي. ومن المناسبات النموذجية لذلك المؤتمر الذي عقد في مدينة الثورة التي لا تزال خامة جديدة وذلك في نيسان/ أبريل عام 1985، في بلد سد الفرات، حول تاريخ العلوم عند العرب، وقد حضره العديد من المحافظين وأمناء سر الحزب ورؤساء الجامعات والشعراء وعدد من المفكرين والمثقفين، وترأسته الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة، فاحتفل المؤتمر بذكرى الفلكي عبدالله بن جابر بن سنان البتاني، الذي عاش في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين (855- 925م)، والذي أقام مرصداً في الرقة حيث عاش هناك نصف قرن. وقد تحدث خطيب بعد خطيب، وبعضهم انطلق ينشد الشعر، مركزين على أهمية إحياء أمجاد الماضي لإلهام مواطني الغد.ثم إن المكتشفات الأثرية في إيبلا، جنوبي حلب، التي كانت عاصمة دولة تجارية وعسكرية في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد (2500ق.م)، وفي ماري على نهر الفرات التي كانت حاضرة مملكة سومرية في الألف نفسه، قد أعطت دفعاً عظيماً لروح الاعتزاز الوطني لدى سورية. أما الألواح البالغ عددها 15000 رقيم، والتي تشكل الأرشيف الملكي لإيبلا، والمكتشفة خلال عامي 1974و 1975، فقد اتضح أنها مكتوبة بلغة ساميّة، قال الباحثون السوريون إنهم حددوا بها أصول اللغة العربية، وأصول التوحيد نفسه في بلادهم. وبالإضافة إلى ألواح إيبلا، كانت هناك مكتشفات ماري التي ضمت أرشيفاً فيه 25.000 لوح، وقصراً فيه 300 غرفة له حمامات مزودة بالمياه الساخنة، والتمديادات الصحية وأدوات الطبخ، وقد زود ذلك كله السوريين بدليل على تفوقهم القديم على العبرانيين في الجنوب، وعلى تساويهم مع الحضارات العظيمة في مصر ووادي الرافدين. وكان السوريون غالباً ما يغتاظون من استخدام إسرائيل للعهد القديم لتبرير فعلاتها السياسية المعاصرة. غير أن هذه المكتشفات جاءتهم بالراحة والعزاء. فأرشيف إيبلا، كما وصفه مكتشفه، البروفسور باولو ماتياس، من جامعة روما كان ((يصور حضارة عالمية عليا قبل إبراهيم بألف سنة))، وكما قال الدكتور عفيف بهنسي مدير الآثار والمتاحف في سورية، تعليقاً على حملة التشويش شنها من يُسمون ((بالأثريين التوراتيين)) في أواخر السبعينات: ((لقد أصبح الآن بالإمكان إثبات أن التوراة لا يمكن اعتمادها كمرجع للتاريخ العالمي، فهي تتكلم عن مدن صغيرة وأحداث عديمة الأهمية بالمقارنة مع الأحداث الكبرى والشخصيات الهامة التي تتحدث عنها ألواح إيبلا)). وبالنسبة إلى المواقع الأثرية المحددة في سورية، والبالغ عددها 3500 موقع معظمها لا يزال مدفوناً في باطن الأرض، يثق الدكتور بهنسي بأنه سيتم العثور على ((إيبلات)) أخرى. ولقد تم بناء زهاء ثلثين متحفاً في مختلف أنحاء البلاد، بتشجيع من الأسد، لتضم تراث سورية الذي لا يضاهى.لقد كان إبراز سورية لماضيها الأثري الغني، جزءاً من ممارسة الأسد لعملية بناء أمة. والقول غالباً وتكراراً بأن التاريخ قد وضع سورية في مركز العالم، كان طريقة غير مباشرة للقول إنها اليوم في قلب هذه المنظمة الإقليمية، وفي مركز صنع القرار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ· من كتاب: ((الأسد... الصراععلى الشرق الأوسط)). |