((صحيح أن هناك تأثيراً متبادلاً بين الإنسان والتاريخ، وصحيح أن الإنسان يفعل فعله في التاريخ وسط ظروف وملابسات محددة.. لكن الصحيح أيضاً هو أن فعل الإنسان في التاريخ أكثر حسماً وأشد تأثيراً من فعل التاريخ في الإنسان)). المفكر القومي صفوان قدسي
جمال عبد الناصر ذلك الشاب الثائر الذي غدا بعد كفاح طويل وشاق قل نظيره صانعاً لعصر أمجاد العرب، عصر قوة العرب، عصر التحديات والانتصارات الكبرى والرايات المرفوعة فوق قمم أهرامات مصر بحماس الشاب الثائر. كان جمال عبد الناصر يشارك في المظاهرات التي عمت شوارع الإسكندرية وهو لم يتجاوز الإثني عشر ربيعاً وهو يردد ((أين هم أولئك الذين وهبوا حياتهم من أجل تحرير البلاد))، وبصفتـه رئيسـاً للجنـة الطلابيــة الثانوية، نظم جمال عبد الناصر مظاهرة كبرى في /12- 13/ تشرين الثاني 1935 سقط فيها كثير من الجرحى واعتقل الكثير في هذه المظاهرة. أخرج ضابط إنكليزي مسدسه ليصوبه نحو ذلك الشاب الثائر المفعم بالحيوية وليطلق عليه رصاصة الغدر التي مرت ملامسة رأسه وينجو من الموت بأعجوبة. كان يردد مع رفاقه بصوت عال ((الاستقلال التام أو الموت الزؤام)) وبذات الحماس وجرأة الثوار بدأ مشوار الثورة، مشوار الحرية، مشوار بناء الأمة. انتصر في معركة الفالوجة في حرب فلسطين ذلك الانتصار الذي رفع الروح المعنوية للمقاتلين بعد أن سجل في تلك المعركة أروع الأعمال البطولية.
ومن خضم المعركة كانت ولادة تنظيم الضباط الأحرار الذي أصدر أول منشور له في عام 1949 تم توزيعه لكبار ضباط الجيش جاء في مضمونه (ما هو واجبنا الأول بعد التجربة المريرة للحرب الفاشلة، الجواب هو طرد الإنكليز وإعادة بناء القوات المسلحة والقضاء على الإسراف في أموال الدولة ورفع مستوى المعيشة).
وبذات الحماس والجرأة قاد ثورة 23 تموز 1952 التي أنهت حكم الاستبداد والتبعية للاستعمار الإنكليزي.
وبذات الروح الثورية العالية قام بتأميم قناة السويس عام 1956 وتصدى للعدوان الثلاثي الذي تلى تأميم القناة وقاد معركة الصمود والانتصار بعد تضحيات كبرى وصمود شعبي في بور سعيد وبور فؤاد والسويس. وبذات الحماس والجرأة خاض معركة البناء والشموخ، بناء السد العالي، وبناء معامل الحديد والصلب في أسوان، وبناء القاعدة الاقتصادية الصلبة.
وبذات الحماس والجرأة حقق أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث مع القطر العربي السوري في عام 1958 ليغدو علم الوحدة ((علم الجمهورية العربية المتحدة)) مرفرفاً فوق الأرض العربية. وبذات الحماس والجرأة تحمل أوزار نكسة حزيران وأعلن استقالته وتنحيه.
وبذات الحماس والجرأة أكمل المشوار مع جماهير الأمة التي خرجت في التاسع والعاشر من حزيران تهتف تنادي باسمه، وتطالبه بأن يكمل المشوار.
ذلك هو القائد العظيم جمال عبد الناصر. فلنعد إلى البداية، لنعد إلى ميلاده الذي تمر هذه الأيام ذكراه الثامنة والثمانون، ميلاد القائد، ميلاد البطل.
ولد جمال عبد الناصر في 15 كانون الثاني 1918 في 18 شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية.
كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام 1888 في قرية بني مر في صعيد مصر في أسرة من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفي بصعوبة لسداد ضرورات الحياة.
جمال عبد الناصر في المرحلة الابتدائية:
التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي 1923، 1924.
وفي عام 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي 1926، علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه- كما ذكر لـ((دافيد مورجان)) مندوب صحيفة ((الصنداي تايمز))- ثم أضاف: ((لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمرأً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين)).
وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية.
جمال عبد الناصر في المرحلة الثانوية:
التحق جمال عبد الناصر في عام 1929 بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي 1930 إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك.
وفي تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي، ففي عام 1930 استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور 1923 فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.
ويحكي جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: ((كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، لم أتردد في تقرير موقفي، فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شيء عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال. لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادي للسلطة.
ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أني- في محاولة يائسة- ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولن أن أهرب، لكني حين التفت هوت على رأسي عصا من عصي البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.
ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي، سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة)).
ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في 26/10/1954، ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: ((حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية، سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد، وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير. وتذكرت في هذا الوقت وأنا أشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر. أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار، فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلى على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها، لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه)). لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعاني منها مصر بسبب تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسؤولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.
وقد التحق جمال عبد الناصر في عام 1933 بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.
وفي تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية، فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن (روسو) و(فولتير) وكتب مقالة بعنوان ((فولتير رجل الحرية) نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن (نابليون) و(الإسكندر) و(يوليوس قيصر) و(غاندي)، وقرأ رواية البؤساء لـ(فيكتور هوجو) وقصة مدينتين لـ(شارلز ديكنز). (الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).
كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي، فكان معجباً بأشعار محمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام، وكذلك عن مصطفى كامل. كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية (عودة الروح) التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.
وفي عام 1935 في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور (يوليوس قيصر) بطل تحرير الجماهير في مسرحية (شكسبير) في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.
وقد شهد عام 1935 نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال. ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في 4 أيلول 1935 مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: ((لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأة في طلب الاستقلال والحرية. قال مصطفى كامل (لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى النيل فلن أتغير عن المبدأ). كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم، فقد تكلما مرات عدة عن عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن)).
وبعد ذلك بشهرين، وفور صدور تصريح (صمويل هور) وزير الخارجية البريطانية، في 9 تشرين الثاني 1935، معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في 13 تشرين الثاني مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنكليزي. فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد 1935).
وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في 15 تشرين الثاني 1952: ((وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفي هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسي، فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن علي واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق، وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب، وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى، فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر)).
وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في 12 كانون الأول 1935 بعودة دستور 1923.
وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة 1936 بالفعل على أثر هذه الجهود.
وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في 2 أيلول 1935 قال فيه: ((يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم، إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق)).
ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب ((فلسفة الثورة)) فقال: (( وفي تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور)).
إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب (فلسفة الثورة)، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة 1936 التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفي حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا. كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان.
وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس، أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة، فتراجع ناظر المدرسة في قراره.
ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية، شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت. فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً. كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين، إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها، ((فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية)).
كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد (بلفور) الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.
جمال عبد الناصر ضابطاً:
لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم، أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.
تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية، فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات 1935، ولأنه لا يملك واسطة.
ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في تشرين الأول 1936 إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة 1936، واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف 1936، وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية، ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية، أي في آذار 1937. وقد اصطحبه ابن منطقته ((محمد باشا محفوظ)) بسيارته الخاصة لإعجابه بهذا الشاب وبأخلاقه، ورافقه حتى قبوله.
لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو ((أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً))، وفعلاً أصبح ((رئيس فريق))، وأسندت إليه منذ أوائل 1938 مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقي إلى رتبة أومباشي طالب.
تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور 17 شهراً، أي في تموز 1938، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.
وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيّمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل (بونابرت) و(الإسكندر) و(جاليباردي) و(مصطفى كمال أتاتورك) و(هندنبرج) و(تشرشل) و(فوش). كما قرأ الكتب التي تعالج شؤون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة 1919.
التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيي الدين وأنور السادات.
وفي عام 1939 طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفي جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيي الدين وعبد الحكيم عامر. وفي أيار 1940 رقي إلى رتبة الملازم أول.
لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل، فقد كان معظم الضباط (عديمي الكفاءة وفاسدين)، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في 1941 من جبل الأولياء بالسودان: ((على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين، هنا في عملي كل عيبي إني دغري لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.
شخص هذه صفاته يحترم من الجميع. ولكن، الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم، يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار. يقولون، كما كنا يجب أن يكونوا، كما رأينا يجب أن يروا، والويل كل الويل لذلك الذي تأبى نفسه السير على منوالهم. ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً. ويحزنني يا حسن أن أقول إننا نسير إلى الهاوية- الرياء- النفاق الملق- تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار)).
وفي نهاية 1941 بينما كان (روميل) يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية، عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.
ويذكر جمال عبد الناصر: ((في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن، فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة)).
وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث 4 شباط 1942 حينما توجه السفير البريطاني (السير مايلز لامسبون) ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.
ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شيء كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في 16 شباط 1942 يقول: ((وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أني أعتقد أن الإنكليز كانوا يلعبون بورقة واحدة في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.
أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.
وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا- مع ضعفهم الظاهر- ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء. ولكن إن غداً لقريب، حاول البعض بعد الحادث أن يعلموا شيء بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً)).
رقي جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشي (نقيب) في 9 أيلول 1942. وفي 7 شباط 1943عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال (ليدل هارت) و(كلاوزفيتز)، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل (كرومويل) و(تشرشل). وفي هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب.
وفي 29 حزيران 1944 تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم- ابنة تاجر من رعايا إيران- كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة- هدى ومنى- عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في 1951-1952.
بيان الثورة:
وفي صباح يوم 23 تموز، وبعد احتلال دار الإذاعة، تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وأما فترة ما بعد الحرب، فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدراتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.
أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين، فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب. وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف، لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس. وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم، والله ولي التوفيق."
وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام- أي في 26 تموز- أُجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفي اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.
وفي 18 حزيران 1953، صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ 7 أيلول 1952، أما جمال عبد الناصر فقد تولى منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفي الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية- الذي تولاه زكريا محيي الدين- واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء. (قرار المجلس بإلغاء الملكية).
تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:
وفي شباط 1954، استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في 25 شباط 1954:
أيها المواطنون:
" لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم 23 تموز سنة 1952، أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان، أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال.
لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.
ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها. وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.
ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة، أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامها، أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم، وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.
وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.
وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية في ذلك الوقت السيد مرتضى المراغي وبينه وفي منزله، حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور.
ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً، إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب، إذ أنه حتى ذلك الوقت، وعلى وجه التحديد يوم 25 آب سنة 1952، لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة.
وقد صدر قرار المجلس في ذلك اليوم بضمه لعضويته، كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر الذي جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهي في آخر تشرين الأول سنة 1952.
نتيجة لذلك الموقف الشاذ، ظل اللواء محمد نجيب يعاني أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلي والقائد الحقيقي للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة.
وبعد أقل من ستة شهور، بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادي بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التي وضعت قبل الثورة بسنين طويلة، إذ تقضي بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس في السلطة. فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين في المجلس، فترجح الكفة التي يقف الرئيس بجانبها.
ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك، إلا أنه لم ينفك يصر بين وقت وآخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلي لكي نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة في الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين.
وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهي:
أن تكون له سلطة حق الاعتراض على قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أي قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء.
كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم، وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم. أي أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة.
ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التي تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن أن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً. وتوالت اعتكافاته بين وقت وآخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع، مقدماً استقالته وهو يعلم أن أي شقاق يحدث في المجلس في مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه.
أيها المواطنون
لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر في وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التي تواجه البلاد والتي ورثتها عن العهود البائدة.
يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب في مصر والسودان، وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى آخر تلك المعارك التي خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة في أكثر من ميدان من ميادينها.
واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلي:
أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التي يشغلها.
ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر في تولي كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن.
ثالثاً: تعيين البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء.
ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها. إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولي التوفيق."
وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف، فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في 27 شباط 1954.
ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في 14 كانون الثاني 1954، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.
وقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجع عن المضي في الثورة، فأولاً أُلغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في 5 آذار 1954، اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في تموز 1954، وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفي نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.
وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة.
وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في 25 آذار 1954، السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 تموز 1954، أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).
وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في 29 آذار 1954، (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات 25 آذار 1954) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة، أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيي الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.
وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمون وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا في صف نجيب وعلى اتصال به.
وفي 17 نيسان 1954، تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية، إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في 26 تشرين الأول 1954، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في 14 تشرين الثاني 1954، إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولي كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.
وفي 24 حزيران 1956، انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور 16 كانون الثاني 1956، أول دستور للثورة.
وفي 22 شباط 1958، أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسورية، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في 28 أيلول 1961.
هذه الوحدة التي جاءت لتعبر عن إرادة الجماهير في القطرين الشقيقين لتحقيق الوحدة العربية، أمل العرب في كل العصور.